عادل عبد الرحمن البدري
590
نزهة النظر في غريب النهج والأثر
[ عنق ] في حديث عليّ ( عليه السلام ) : « فالله الله في كِبْرِ الحَمَّيةِ ، وفَخْرِ الجَاهِليّة ! فَإنّه مَلاَقِحُ الشَّنَآنِ ، وَمَنافِخُ الشَّيْطان ، التي خَدَعَ بها الأُمَمَ الماضِيَةَ ، والقُرُونَ الخَالِيَةَ ، حتّى أَعْنَقُوا في حَنَادِسِ جَهَالَتِه ، ومهَاوِي ضَلاَلَتِه » ( 1 ) . أعنقوا : غابوا . يقال : أعنقت النجوم إذا تقدّمت للمغيب . وأعنقت الثُّريّا ، إذا غابت ، قال الشاعر : كأنّي ، حين أعنقت الثُّرَيّا * سُقيت الرَّاحَ أو سمَّاً مَدُوفا والعَنَقُ من السير : المنبسط ، والعنيق كذلك ، وقد أعنقت الدابّةُ فهي مُعْنِقٌ ومِعْناق وَعنيق ( 2 ) . وفي الحديث : « المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة » وروي : إعناقاً . أي : إسراعاً إلى الجنّة . والعَنَقُ : الخطو الفسيح . ومنه قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « لا يزال المؤمن مُعْنِقاً صالحاً ، ما لم يُصب دَمَاً حراماً ، فإذا أصاب دماً حراماً بَلّحَ » ( 3 ) . أي مسرعاً في طاعته منبسطاً في عمله . وقيل : أراد يوم القيامة . ومنه الحديث : أنّه بعث سَرِيَّةً ، فبعثوا حَرامَ بن مِلْحان بكتاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى بني سُلَيم فانْتَحى له عامرُ بن الطَّفَيل فقتله ، فلّما بلغ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قَتْلُه ، قال : « أعنق ليموت » . أي : إنّ المنيّة أسْرَعَت به وساقته إلى مَصْرَعه ( 1 ) . واللام لام العاقبة والصيرورة ، مثلُها في قوله تعالى : « ليكونَ لهم عَدُوَّاً وحَزَناً » ( 2 ) . حاكياً عن موسى ( عليه السلام ) . لأنّ آل فرعون إنّما أخذوه ليكون لهم قرّة عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدواً وحزناً ، فذكر الحال بالمآل ، كما قال الشاعر : وللمنايا تُربّي كُلُّ مرضعة * ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقال آخر : فللموت تغذو الوالدتُ سِخَالَها * كما لخراب الدهر تُبنى المساكنُ أي فعاقبة البناء الخراب وإنْ كان في الحال مفروحاً به ( 3 ) . والمُعْنِق : ما صَلُب وارتفع عن الأرض وحوله سهل ، والجمع معانيق . والعنقاء : أكمة فوق جبل مشرف . والعنقاء : طائر ضخم ليس بالعُقاب . ويقال : إنّها طائر عظيم لا تُرى إلاّ في الدهور ، ثمّ كَثرُ ذلك حتّى سموا الداهية عَنْقاءُ مُغرباً ومُغْربةً . وقيل :
--> ( 1 ) نهج البلاغة : 289 ضمن خطبة 192 ( القاصعة ) . ( 2 ) لسان العرب 10 : 277 ( عنق ) . ( 3 ) الفائق في غريب الحديث 3 : 30 ( عنق ) . ( 1 ) النهاية 3 : 310 ( عنق ) . ( 2 ) القصص : 8 . ( 3 ) تفسير القرطبي 7 : 5138 .